حين يقترب فجر العدل: بوادر الخير في زمن استفحال الظلم"
في كل مرحلة من مراحل التاريخ، كان الظلم حاضراً كغيمة سوداء تحجب ضوء الشمس عن القلوب، وتثقل الأرواح بأنين المقهورين وصمت المظلومين. ولكن إذا تأملنا عميقاً في مسيرة الإنسان على هذه الأرض سنجد أن دوام الحال من المحال، وأن سنة الله في خلقه ماضية لا تتغير، فكما أن الليل مهما طال يعقبه الفجر، كذلك الظلم مهما استفحل واشتد لا بد أن يزول ويُمحى أثره ويشرق نور العدل من جديد. إن المظلوم قد يظن أن صوته قد ضاع في زحمة الحياة وأن أنينه لا يسمعه أحد، ولكن الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون أن دعوة المظلوم تخرق الحجب وتصل إلى رب السماوات والأرض الذي لا تخفى عليه خافية، وقد جاء في الحديث الشريف: "اتقوا دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب". فما أعظم هذا الوعد، وما أصدق هذه البشارة، وما أكرم هذا الأمل الذي يزرعه الله في قلوب عباده المستضعفين. إذا نظرنا حولنا في واقعنا، قد نجد أن الظلم قد تفشى بأشكال متعددة؛ ظلم في المجتمعات حيث يطغى القوي على الضعيف، وظلم في العلاقات حين يخون القريب من ائتمنه، وظلم في الأنظمة حين يُسلب الحق من أصحابه، وظلم للنفس حين يُحرم المرء من السير في طريق الحق فيغرق في ظلمات الهوى. ومع كل هذا، يظل وعد الله لعباده المظلومين قائماً، بأن لهم يوماً يُنصفون فيه، وأن عجلة الأيام لا تدور إلى ما لا نهاية دون أن تعيد التوازن وترد الحقوق لأصحابها. المظلوم قد يظن أن رحلته طويلة وأن صبره أثقل من أن يُحتمل، لكنه إذا علم أن الله قد جعل له نصراً مؤجلاً وأن حكمته اقتضت أن يتأخر ذلك النصر ليكون أعظم وأجل، فإنه سيرى في صبره عبادة، وفي ثباته قوة، وفي ألمه باباً للأمل. إن بوادر الخير لا تأتي فجأة بلا مقدمات، بل هي تلوح في الأفق شيئاً فشيئاً، كالبذرة التي تغرس في الأرض فيغطيها التراب، ثم تُسقى بماء الصبر، حتى تنبت يوماً وتتحول إلى شجرة باسقة يستظل بها الجميع. هكذا هو حال المظلوم، فدموعه التي تنزل بصدق وإخلاص، وآهاته التي لا يسمعها أحد إلا الله، وصمته الذي يخبئ خلفه الكثير من الحكايات، كلها بذور تُسقى بدموعه، وسرعان ما تثمر عزاً وكرامة وعدلاً. إذا أردنا أن نتأمل سُنن الله في الأرض، فسنجد أن الظلم لا يدوم، والدليل أن الطغاة الذين ملأوا الدنيا جبروتاً وقسوة انتهوا إلى مزابل التاريخ، وبقيت سير المظلومين مضيئة يتداولها الناس جيلاً بعد جيل. كم من فرعون ظن أن ملكه خالد فإذا به غريق في لحظة خاطفة، وكم من طاغية توهم أن الأرض قد دانت له فإذا به لا يملك لنفسه دفعاً ولا نفعاً. وهذا يذكرنا بأن القوة مهما تعاظمت فهي محدودة، وأن الظلم مهما علا فهو هش من الداخل، وأن الحق مهما بدا ضعيفاً فهو في حقيقته أصلب من الجبال. قد يسأل أحدنا: لماذا يطول زمن الظلم؟ ولماذا لا يأتي الفرج سريعاً؟ والجواب أن الحكمة الإلهية أعظم من أن ندركها بعقولنا القاصرة. فربما تأخر النصر ليزداد المظلوم إيماناً وصبراً، وربما طال البلاء ليختبر صدق القلوب، وربما اشتد الظلام ليكون الفجر أكثر إشراقاً حين يشرق. وفي كل الأحوال، فإن القادم للمظلومين هو الأجمل، لأن الله لا يخذل عباده ولا يتركهم نهباً للقهر إلى ما لا نهاية. في أعماق كل مظلوم يسكن صوت خافت يهمس له: "اصبر فإن الله معك". وهذا الصوت ليس وهماً، بل هو الحقيقة التي تؤكدها النصوص السماوية والسنن الكونية، وتدعمها تجارب البشر عبر العصور. فالذين صبروا وثبتوا واحتسبوا، جاءتهم لحظة نصر ربما لم يتوقعوها، لكنها كانت أعظم من أحلامهم. إن الاعتصام بحبل الله في زمن الظلم ليس خياراً ثانوياً بل هو الركيزة الأساسية التي تُمكّن المظلوم من النجاة. فمن تمسك بالحق، ومن رفع يديه بالدعاء، ومن استمد قوته من يقينه بالله، فلن يخذله الله أبداً. لقد وعد الله في كتابه: "إن الله يدافع عن الذين آمنوا"، ووعد آخر: "وكان حقاً علينا نصر المؤمنين". فكيف ييأس المظلوم بعد هذه البشارات؟ وكيف يحزن وهو يعلم أن الله هو الذي يتولى أمره؟ إننا في زمن كثر فيه الظلم وتعددت صوره، لكن في المقابل تلوح في الأفق بوادر الخير، نراها في يقظة القلوب، وفي الأصوات التي تعلو لتقول "كفى"، وفي الإرادات التي تأبى الاستسلام. هذه البوادر وإن بدت ضعيفة فهي كخيوط الفجر الأولى التي تخترق حلكة الليل، لتعلن أن الصبح قادم لا محالة. المظلوم اليوم إذا نظر إلى واقعه قد يجد الألم والخذلان، لكنه إذا رفع رأسه نحو السماء سيرى أن رب السماء لا ينسى، وأن الظلم مهما استشرى فهو مؤقت. ولذلك، فإن اليقين هو سلاحه، والصبر هو عدته، والدعاء هو ملاذه. والتاريخ شاهد على أن هذه الأسلحة أقوى من كل جيوش الأرض، لأنها مرتبطة بالقدرة الإلهية المطلقة. ما أجمل أن يحول المظلوم ألمه إلى قوة، وأن يجعل من جراحه جسراً يعبر به نحو حياة جديدة مليئة بالأمل. وما أجمل أن يظل قلبه عامراً بالإيمان رغم قسوة التجارب، لأن هذا الإيمان هو الذي سيحمل له البشرى في النهاية. ومن يقرأ القرآن يجد أن كل قصة من قصص الأنبياء والمستضعفين تؤكد هذه الحقيقة؛ فنوح صبر سنوات طويلة حتى جاءه النصر، وإبراهيم أُلقي في النار فجعلها الله برداً وسلاماً، وموسى خرج مطارداً فإذا به قائداً منتصراً، ومحمد ﷺ عانى من ظلم قريش ثم دخل مكة فاتحاً. هذه السنن ثابتة لا تتغير، لتقول لكل مظلوم: لا تحزن، فغداً لك لا عليك. إن دوام الظلم أمر مستحيل، لأنه ضد ناموس الكون وضد حكمة الخالق. فالظلم فساد، والفساد لا يستمر، والظلم هدم والهدم لا يبني حضارة. لذلك فإن كل ظالم يحفر قبره بيده، وكل مظلوم يزرع مجده بصبره. ولهذا كان الصبر مفتاح الفرج، وكان التوكل على الله باباً للنصر، وكان الاعتصام بحبله وعداً بالعدل. إذاً، فلنطمئن جميعاً أن القادم هو للمظلومين، وأن فجر العدل يقترب رغم كل مظاهر القهر، وأن بوادر الخير قد لاحت في الأفق، وأن الأيام المقبلة ستحمل معها بشارات لم يتوقعها أحد. فما على المظلوم إلا أن يظل ثابتاً، وما على الصابر إلا أن يظل مستمسكاً باليقين، وما على القلوب إلا أن تظل معلقة بالله وحده. عندها فقط سنرى أن الليل الذي أرهقنا لم يكن إلا ستاراً يخفي وراءه فجراً جميلاً يشرق قريباً.





تعليقات
إرسال تعليق