"غينيا بابوا وأكَلَة لحوم البشر: حين جلبت الطقوس القبلية مرضًا قاتلًا للعقول"


 في قلب غينيا بابوا الجديدة، وتحديدًا في مرتفعاتها الشرقية، عاش شعب "الفور" لقرونٍ طويلة منغلقًا على نفسه، متشبثًا بعاداته وتقاليده، دون أن تلامسهم يد الحضارة الحديثة. لكن ما جعلهم محطّ اهتمام عالمي ليس فقط نمط حياتهم الفريد، بل تلك الممارسة المثيرة للذهول: أكل لحوم الموتى كجزء من طقس جنائزي. ممارسة روحية تحولت لاحقًا إلى كارثة طبية سلطت الضوء على نوع نادر ومروّع من الأمراض يُعرف اليوم بـمرض كورو (Kuru).



---


من هم شعب "الفور"؟


يسكن شعب "الفور" المرتفعات الجنوبية الشرقية لغينيا بابوا الجديدة، وهي منطقة غنية بالغابات المطيرة والمعزولة جغرافيًا. كانوا يعيشون في مجتمعات قروية صغيرة تعتمد على الزراعة وتربية الخنازير، وتجمعهم روابط عشائرية قوية. حتى منتصف القرن العشرين، لم يكن لشعب الفور أي اتصال بالعالم الخارجي، ما جعلهم يحتفظون بعادات نادرة وغريبة.



---


طقس "الكانيبالية الجنائزية"


من أغرب طقوسهم وأكثرها شهرة هو ما يُعرف بـ "الكانيبالية الجنائزية"، وهي عادة تقوم فيها العائلة المقربة من المتوفى (خصوصًا النساء والأطفال) بأكل لحمه بعد موته. لم تكن هذه الممارسة نابعة من وحشية أو جوع، بل كانت طقسًا روحيًا تكريميًا. إذ كانوا يعتقدون أن تناول جسد الميت يُمكّن روحه من الانتقال إلى أجساد الأقارب، ويمنعها من التيه أو العودة لإيذاء الأحياء.



---


ظهور مرض غامض ومرعب


في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، بدأ الأطباء الغربيون يلاحظون شيئًا غريبًا: نساء وأطفال الفور يموتون بأعداد غير مبررة، مصابين برعشات لا يمكن التحكم بها، فقدان التوازن، تقهقر عقلي، ثم الموت خلال أشهر. أطلق السكان المحليون على هذا المرض اسم "كورو" ويعني في لغتهم "الارتجاف" أو "الضحك المميت" بسبب الضحك العصبي الذي كان يصيب الضحايا في مراحل متقدمة.


لم يكن واضحًا في البداية ما سبب المرض، خاصة وأن الرجال كانوا أقل عرضة للإصابة به. تطلب الأمر أكثر من عقد من البحث حتى استطاع العلماء حل اللغز.



---


الحل العلمي: "البريونات" ومرض كورو


في الستينيات، توصّل العالم الأمريكي دانيال كارلتون غاجدوسيك (الذي حصل لاحقًا على جائزة نوبل عام 1976) إلى أن سبب مرض كورو هو عامل غير تقليدي: بروتين مشوه يُسمى "بريون". البريونات تختلف عن الفيروسات والبكتيريا، فهي لا تحتوي على حمض نووي، لكنها قادرة على تحويل البروتينات السليمة في الدماغ إلى بروتينات مريضة، مما يؤدي إلى تلف تدريجي في الدماغ.


مرض كورو ينتمي إلى عائلة الأمراض البريونية، مثل مرض "كروتزفيلد-جاكوب" و"جنون البقر". المثير للصدمة هو أن البريونات يمكن أن تنتقل من شخص لآخر عبر أكل أنسجة المخ المصابة – وهو ما كانت تقوم به نساء الفور خلال طقوس أكل الموتى.



---


لماذا النساء والأطفال؟


النساء والأطفال كانوا الأكثر عرضة للمرض لأنهم كانوا المسؤولين عن طقس أكل اللحم – خصوصًا الدماغ، وهو أكثر جزء يحتوي على البريونات. بينما كان الرجال يبتعدون عن هذه الممارسة لأسباب ثقافية، مما قلل من تعرضهم.



---


نهاية الطقس ونهاية الوباء


بمجرد أن اكتشف العلماء العلاقة بين المرض والطقس الجنائزي، تدخلت الحكومة الأسترالية (التي كانت تدير المنطقة حينها) وبدأت حملات توعية مكثفة. بحلول السبعينيات، توقفت العائلات عن ممارسة أكل لحوم الموتى. ومع توقف هذه العادة، بدأ عدد الإصابات يتناقص بشكل تدريجي.


لكن لأن فترة حضانة المرض طويلة جدًا – قد تمتد إلى 30 عامًا أو أكثر – فقد استمرت بعض الحالات في الظهور حتى أوائل القرن الواحد والعشرين.



---


إرث ثقافي ودرس علمي


اليوم، لم تعد ممارسة أكل لحوم البشر موجودة في غينيا بابوا الجديدة، ولكن قصة شعب الفور لا تزال درسًا إنسانيًا وطبيًا مذهلًا. فقد ساعدت أبحاث مرض كورو العلماء على فهم طبيعة الأمراض البريونية، وأثارت تساؤلات عميقة حول كيفية تطور الثقافات في عزلة عن العالم، وكيف أن المعتقدات الروحية قد تؤدي – عن غير قصد – إلى كوارث صحية.



---


مصادر موثوقة:


1. BBC News – "Kuru: The Laughing Death"

https://www.bbc.com/news/magazine-16907389



2. National Institutes of Health (NIH) – Prion Diseases Fact Sheet

https://www.ninds.nih.gov



3. The Lancet Neurology – Collinge J. (2001). Prion diseases of humans and animals: their causes and molecular basis

https://www.thelancet.com



4. Nobel Prize Website – Daniel Carleton Gajdusek – Nobel Lecture

https://www.nobelprize.org/prizes/medicine/1976/gajdusek/lecture/


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف تبدأ مدونة ناجحة من الصفر وتبني جمهورًا حقيقيًا

لحظة تغيّر حياتك