لقد سجدتُ واقتربتُ


 في لحظةٍ من لحظات العمر، حين يضيق الصدر وتضجُّ الروح بأنّاتها، وجدتُ نفسي تهيم في بحرٍ من الأفكار، تتلاطمها أمواج الحيرة والخوف. كان الليل قد أسدل ستاره، والكون غارقٌ في سكونٍ مهيب، إلا من نبضات قلبي المتسارعة، وكأنها تطرق باب السماء، ترجوه إجابةً أو رحمة.


لم أجد مفرًّا، لم أجد ملجأً، لم أجد سوى سجادةٍ صامتة في ركن غرفتي، وكأنها تنتظرني منذ الأزل. جلستُ عليها، ثم مددتُ يديّ إلى السماء، لكن الكلمات خانتني، والدموع سبقتني. شعرتُ وكأن الأرض تهمس لي: "اقتربْ… اقتربْ أكثر."


سجدتُ… ولأول مرة في حياتي، لم تكن مجرد سجدةٍ عابرة، بل كانت سقوطًا في أحضان الرحمة، كانت غرقًا في بحر العبودية الحقّة.


هناك، في سجودي، شعرتُ وكأنني أتحلل من كل آلامي، وكأنني أذوب بين يدي الله، كطفلٍ يعود إلى حضن أمه بعد طول ضياع. لقد أدركتُ أن القرب من الله ليس مسافةً تُقطع، ولا كلماتٍ تُقال، بل هو استسلامٌ تام، روحٌ تُعانق الغيب دون خوفٍ أو تردد.


في تلك اللحظة، شعرتُ بدفءٍ لم أشعر به من قبل، كأن نورًا اخترق ظلمتي، كأن يديّ قد أمسكتا بأطراف الرحمة، وقلبي قد ارتوى من معين اليقين. أدركتُ أنني لم أكن بحاجةٍ إلى إجابةٍ محددة، أو معجزةٍ تنقذني، بل كنتُ بحاجةٍ إلى هذا السجود… بحاجةٍ إلى أن أقترب.


حين رفعتُ رأسي، لم أكن نفس الشخص، كنتُ أقوى، أنقى، وأقرب… كنتُ قد سجدتُ واقتربتُ.

وأنت قد سجدت اليوم واقتربت في أعظم شهر وأفضل ليلة رفعت يدك ودعوت بكيت بين يدي خالقك فاحدر أن تشك انه لن يتقبلك عنده ولن يقبل دعوتك بل زد في السجود والإقتراب فدرجات الإرتقاء لا تنتهي وأيام الفضل لا تنفد. نعم، قد سجدتَ اليوم واقتربتَ في أعظم شهر، وفي ليلةٍ هي خيرٌ من ألف شهر، رفعتَ يديك ودعوت، وبكيت بين يدي خالقك، وألقيتَ بحِمْلك عند من لا يُثقلُه شيءٌ في الأرض ولا في السماء.


فإياك، ثم إياك، أن تشكَّ ولو للحظةٍ أن الله لن يتقبلك، أو أن دموعك ستذهب سُدى، أو أن قلبك لن يُسمع خفقانه في علياء السماء. كيف يشكُّ عبدٌ بربٍّ يقول: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريبٌ أجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ"؟


بل زد في السجود… زد في القرب… زد في البكاء والرجاء، فدرجات الارتقاء لا تنتهي، وأيام الفضل لا تنفد، وما عند الله خيرٌ وأبقى.


إنه موسمُ العتق، وفرصةُ العمر، فكن ذلك العبد الذي لا يملُّ من طرق الباب، ولا يسأم من الانكسار على أعتابه، حتى يفتح الله له فتحًا لا يصدّه أحد، ويعطيه عطاءً لا يمنعه شيء.


فسجدتَ اليوم واقتربتَ… فهنيئًا لك، فإنها سجدةٌ تُرفع بها، وقُربٌ لا يخيب، ورحمةٌ وسعت كل شيء.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف تبدأ مدونة ناجحة من الصفر وتبني جمهورًا حقيقيًا

لحظة تغيّر حياتك